"الطلاق" من أول نظرة

أكتوبر 8th, 2006 كتبها سالم السيف نشر في , قصص قصيرة

قالت له : " صدقني .. ستعجبك ، وستأخذ بلبك إنها فتاة رائعة لا يختلف على ذلك اثنان ! "

" حسنا يا أمي ، وليكن في في ذهن الجميع أني لن أتردد في طلاقها ومن أول نظره ، ولن أستحي أو أخشى شيئاً ، نعم .. هذا المنطق الذي يجب أن يتعامل بهِ كل الرجال في هذا الوقت ! " أجابها الإبن في نبرة من الغضب ظاهرة

اشرقت ابتسامة النصر على شفتي الأم وتنهدت بعد نقاش مرير : حينما تراها فلن تعجبَ من خوف أهلها عليها ، وثقتهم بأن نظرة وحيدة منك لها ستوقعك في شراكها . . حسنا أي بني دعني أذهب لأخبر أباك فإنه حتما سيُسرّ .."

أجاب فوراً " لشدَّ ما يحنقني ثقتكم العارمة بأنفسكم ، وهل ظننتموني من البساطة أن أقع في هيام فتاةٍ لم أرها بعد ! ، حتى وإن سلّم الجميع بجمالها الفتان وحسنها الفريد .. فهيَ تظل مجهولةً بالنسبة لي قد ينفر قلبي ساعةَ أراها عنها "

الأم في حيرة : " اسمع يا بني ، لا تدع الأوهام تسيطر عليك ! أنتَ تعلمُ تمام العلم أنه مامن سبيل لتتعرف عليها أو تكلمها قبل أن تعقد عليها ، فخذ موقفك الصارم حالا ، هل ستقدم في عزيمتك بالزواج أم ستظل طريح الحيرة ؟! "

يجيب بعد أن طأطأ برأسه قليلا " إنني خائف يا أمي ، من الممكن أن أسيطر على نفسي وأقوم بدور الرجل الرزين والمعجب بهذه المرأة ! ، ولكن ماذا عنها هيَ ؟! كيف قبلت بي دون أن تعرفني بل وأجزم ، كل الجزم أنها لم ترني "

" من سمعتك الطيبة ، يا بني ، من لا يعرف نبيلاً هذا الشاب المملوء بالطموح المهندس الوسيم الـ .." قالت الأم وقاطعها ..

" أمي أرجوك ، كفى عبثا بعقلي .. من حقي أن أبحث لخطواتي في الحياة الأرض الراسخة ! ، لستُ أدري أينَ ستنتهي بي هذهِ الزيجة عديمة البركة والتي بقيت في مهدها لأكثر من السنة والنصف السنة !! أريد أن أدخل بزوجتي وأنا ساكن القلب مبتهج النفس سعيد ، لا أن أدخل والريبة والخوف تملؤني وتقلق حركاتي ، فلا أدري هل أستطيع أن أبقى دون تمثيل وتصنع لحظتها أم لا ! "

" نبيل !! .. بنيّ العزيز .. يؤسفني حالك المترددة والحائرة ! أنت تعلم أن لا مناص من المفر من هذه الفتاة هي التي ادرجها الله في طريق حياتك ، من نفس قبيلتنا ومن ثوبنا والدها رجل أعمال الكل يتسابق للتقرب منه ، إضافةً إلى أنك بحيرتك هذه لم تخرج لنا عيباً واحداً يصدك عنها !! . . دعك الآن من التفكير ، واخلد إلى النوم .. ولا تنس الموعد غداً .. "

تخرج والدة نبيل من غرفته بعد ان وضعت على جبينه قبلة مهدئة لينعم بالسكون ، وأطفأت الأضواء .

.
.

- بعد مضي شهر من التجهيزات والعمل والدائب تم تحديد موعد زواج الشاب نبيل بن الطبيب الشهير أحمد من إيمان بنت رجل الأعمال المعروف الشيخ سلمان ..

- بعد أسبوع واحد من زواج نبيل بإيمان ..

تدخل والدة نبيل في بعثرة من خطواتها وبصوت مخنوق إلى غرفة ابنها نبيل ..

" ماذا فعلت ؟ .. هل أنت مجنون ؟ ألا تحس ألا تشعر ؟
كيف تفعل هذا ، لماذا طلقت ايمان ؟! "

" أمي أرجوك ، أنني متعب لا أستطيع أن أجيب على أية أسئلة ، فقط سامحيني يا أماه "

" أسام

المزيد


الثقافة الخرساء 3/3

أكتوبر 7th, 2006 كتبها سالم السيف نشر في , قصص قصيرة

شعرَ بدفء المكان يغزو جسده حين أغلق الباب من وراءه بإحكام ليستريح عليه قليلاً باسناد ظهره إليه كجذح شجرة عتيقة وهو يستعيد أنفاسه الموتورة بعد أن شتم حظه بهذا السلّم الطويل الذي طالما بعث أنفاسه على الجنون في نهاية كلِّ يومٍ شاق، لم يكن ليخفي استمتاعه بهدوء المكان الذي أثثه بأحزانه وصمته اللذيذ بعدما اختنقت مزامير السيارات المجنونة وجلبة الشارع خلف الباب المغلق، فكأنه بروحه قد عادت إليه لتشرق من جديدٍ عيناه بعد أن أسدل النوم عليها أشرعته حتى غرق جسده من الانهاك، لتفسد عليه هذه اللحظات المنشية الماتعة من نافذة مروحة الهواء في المطبخ المطل مباشرةً على مطبخ زوجة الدكتور حمدي الشبراوي الأستاذ بكلية التجارة مدام عفّت، التي لا يتوقف لها عراكٌ مع السيدة العجوز المريضة والدة زوجها الحجة أم حمدي ولا يتوقف صراخها على طفليها سارة وهيثم ليلاً ولا نهاراً، ليندب المغترب المسكين على الجانب الآخر من فوهة مروحة الهواء لمطبخها حظه للمرة الثانية، على اغتيال لحظات الهدوء والسكينة القليلة المتبقية لديه، ليتظاهر أمام نفسه بالرغبة في الذهاب إلى المطبخ لمعرفة ما يمكن شربه داخل الثلاجة، وفي الحقيقة كل ما أراده لا يتعدى معرفة حكاية الضجة التي احتفلت بها أم هيثم لهذه الليلة، راجياً أن لا يكون السبب ذاته الذي أحتفلت به المدام عفت قبل ليلتين، حين أيقظت سكان العمارة من أجل أن والدة زوجها منعتها من إستعمال الضرب وسيلة لإجبار هيثم على أخذ الدواء قبل أن ينام، كان ليلتها يستمع من فراشه إلى سيناريو الحوار وهو يدعو الله أن يمد الدكتور حمدي بالعون لإكمال بقية عمره معها وأن يعديها على خير هذه الليلة كي يتمكن من النوم جيّداً ليلة الإمتحان. عاد إلى غرفته من المطبخ بعد أن أحس الأمن قد عاد واستتب في بيت الدكتور حمدي، لم يشأ بعد أن بدل ملابسه أن يخلد إلى النوم قبل أن يتمدد على سريره هنيهة يفكّر في ما كانَ هذا اليوم له حين كان يقوم بنزهةٍ قصيرة على ضفّةِ النيل في محاولةٍ لقتل السأم وابعاد الحنين إلى الأهل والوطن عقيب انتهاء الامتحانات، أرخى رأسه المثقل على الوسادة، ليسحب الغطاء من أسفل قدميه ولترتجف أضلاعه بينما يتلوى كالجنين بداخله من رعشة البرد ونشوة الدفء ثم ليذهب بعيداً في التأمل والاسترخاء واستعادة شريط الأحداث السينمائي في ذاكرته بين عينيه؛ كم هوَ جميلٌ قرص الشمس القاني بينما يغرق لحظةَ الغروب في مشهد مهيب خلف الأبنية والعمارات الشاهقة تاركاً للنيل ذلك المنظر الرائع والأسطوري ناسجاً بخيوط الشمس الدموية أجمل الألوان التي تمنح اللوحة الجمالية الحية لمستها الأخيرة، فتصبغ كل شيء بالذهول والجمال والروعة الخالدة لمشهد مغيب الشمس الساحر على ضفة النيل، وها هو الظلام قد حلّ، والليل قد أطبق في عجلة، ولا أزال مسمّر القدمين على السياج مطلق النظر في المدى كتمثال رمسيس، داعبت حواسي نسمة هواء حادّة من هبائب ليل النهر التي تهب كل ليلة، فشعرت بالبرد قليلاً وبعض أعراض الزكام، أدرت ظهري للنهر لأفاجأ بموجةٍ جديدةٍ من الزحام، الطريق يعج ويضج بالمارة والسيارات والباعة والشحاذين، ثم فكرت بقسوة الوحدة و كم الوحدة قاسية ، إلى أي هاويةٍ قد تدفع بالإنسان ولو ظنّ أنه سيختنق وسط الزحام!، وكم هي بغيضة فلسفة الإغتراب إلى نفسي، أنا الذي أستطعت إقناع ذاتي أنْ لا وجود للوطن، وأنه مجرد كذ

المزيد


الثقافة الخرساء 2/3

أكتوبر 7th, 2006 كتبها سالم السيف نشر في , قصص قصيرة

لا شك أن أبي كان لا يقصد هذا المعنى القريب، البسيط، الجلي، لكلامه بالقدر الذي يومض إليه هذا الكلام من خفايا مضمرة خلف الستار، إلى ذلك المعنى البعيد، الصامت، الغائر، الذي جعل الكلمات المحكيّة المجردة تستحيل إلى سر كبير في نحوٍ يخرج بها عن وجهتها المباشرة، وسياقها المكشوف والمجرّد، لتتعداه وتتخطاه إلى وجهةٍ أخرى مطلقة مفتوحة ولا محدودة تخاطب الوعي الجمعي، والمدرك الإنساني، والنسق الثقافي العام التي تصبُّ في ذات الخط الذي عليه تجري نواميس الحياة الإنسانية منذ البدء، والذي جاءت إليه الإشارة في "يخلو من الهمِّ أخلاهم من الفِطَنِ" دلالاتٍ كان يلجأ إليها كثيراً المتنبي في شعره، حينما لم يكن يسعفه البرهان المحسوس، ليعتصم بالحالة المطلقة، اللامحدودة، المدركة باطنياً معنوياً، لتضع له تطعيمة السرّ العظيم، المتمثلة في حالة الوهج المشعة في القول حيث حيرة العقول الدائمة كما للمعنى البعيد في قوله "ولكن تُدركُ الآذان منهُ على قدرِ القرائحِ والعلومِ"، فما هو إلا أن جاءت كلمات السيد الوالد -أبقاه الله وحماه- متماهية ومتناغمة مع روح السر الكبير المجانس لحقيقة سلوك الوعي داخل الإنسان، ومرتكزةً على محورين هامين، هما أساسا المشهد العام للحالة الفكرية والإدراكية، وعجلتا الحركة المنطقية للأطوار الثقافية الفاعلة، القراءة والنافذة الإعلامية. في سبيل الهدف الشيئي المطلوب في الحالة الراهنة "الدراسة". ( الحساب لو سمحت! ) أشرت إلى القرسون الذي سرعان ما حمل فنجان القهوة وعاد بالحساب، خرجت من القهوة الشعبية بخطى متثاقلة، وحركة متقطعة، بين وقوف قصير ومشي قليل، ناسياً الجريدة على المقعد في القهوة، وعيني لا تتوقفان عن الجولان في الاعلانات والوجوه والسيارات المكتظة، أبحث عن شيءٍ لا أدري ما هو، أفكر باستمرار وأسرح دون توقف، أحاول أن أشعِر من حولي أني أقصد مكاناً ما، ولست غريباً حائراً، أو تائهاً ضل الطريق، حمدت الله كثيراً أنني في بلد لا يبالي أحد فيه بك، ولا بتصرفاتك الغريبة، ولا تلاحقك فيه النظرات من كل مكان، ولا يتسائل عما إذا كنت تخرق التقليد المتعارف بشيء ما أم لا فالجميع مشغولون بأنفسهم، ولديهم ما يفعلونه، تذكرت أغنية قديمة لعبدالحليم حين كان يغني لنزار قصيدته الجميلة، عندما يقول في ختامها ( ما أصعبَ أن تهوى امرأةً يا ولدي ليسَ لها عنوان ) ها قد أصبحت أسير بلا هدى في الطريق لا أدري إلى أين تقودني قدماي، أو إلى أين أسير، كذلك العاشق المغرم الذي لا يدري عنوان حبيبته، أو ليس لها عنوان أصلاً، فهو في حيرة مستقلة وضياع مستمر، لا يدري أين يذهب، أو أي شيء يفعل. بدأ السأم يدب في عروقي، ويثقل حركتي، شعرت برغبة في الجلوس، لم يكن المكان مناسباً، أشرت إلى سائق أجرة، وبخفة ركبت معه وأقفلت الباب، أجابني السائق مباشرة ( فين يباشا ) ( النيل لو سمحت ) أجبته وأنا أتجنب النظر في عينيه وأجوب بعينيّ الناس في الخارج لكنه لم يطمئن إلى وجهتي فقال ( فين عالنيل يباشا ) أردت أن أقول له إذهب إلى أي مكان ثم ترددت قليلا وأجبت ( هل تعرف المركب التي في .. ) أجابني ( تقصد لؤلؤة النيل ) ( نعم هي هي ) رغم أني لا أعرف لؤلؤة النيل هذه ولم أسمع بها من قبل، مضى في القيادة وذهبت في تفكيرٍ طويل، قطعه عليّ سؤال باغتني به السائق مبدداً خل

المزيد


الثقافة الخرساء 1/3

أكتوبر 7th, 2006 كتبها سالم السيف نشر في , قصص قصيرة

أذكر حين رأيت السيد الوالد - حفظه الله ومتعه بالصحة - لآخر مرة قبل عدة شهور قبيل أن أغادره إلى المطار لأترك البلاد إلى القاهرة حيث أقيم للدراسة أنه قال لي كلمةً تأملت فيها كثيراً وغزت التأملات رأسي حتى كلّ وما ذاك إلا لعلمي أن لأبي - أبقاه الله - كلاماً حمّال أوجه حيث كان دائماً لكلامه معنىً قريب وآخر بعيد وكثيراً ما كان يقول الشيء ويقصدُ غيره ويومي بالأمر وهو يلمح إلى ما وراءه، فقد عرفته ذكياً شديد الذكاء حذراً عميق الحذر مفرط الحساسية بالغ العناية بما يصدر عنه من كلمات أو أفعال. حدثني حين كنت أحتسي معه قهوته العصرية وأنا أهم بالسفر، وقال بعد هنيهة صمت في سمته المعروف: ( لا توجع راسك بالقرايه وقناة الجزيرة قبل تنهي دراستك ) ثم أردف بعد أن ارتشف فنجانه ببطء : ( وترى ما ضايع عليك شي ) قتلتني يا أبي آه كم قتلتني !! ها أنا منذ لثمت جبينك وفارقت البيت وبعد عدةِ شهورٍ على سماعي تلك الكلمات التي لا تخطئ مكانها في صدري حيث لم تزل تطنّ في داخلي منذها ، ها هي مكتبتي قد قُبرت في صناديق مغلقة يعتليها الغبار في احدى زوايا شقتي الصغيرة، وقد تحولت أرفف المكتبة إلى ما يشبه المخزن المفتوح بعد خلوها من الكتب، ساعة منبه، مجموعة أوراق طباعة، بعض الأقلام، قاموس انجليزي، أطلس التشريح، تي شيرت معلق، علبة شوكلاتة وضعتها السيدة الوالدة -أطال الله عمرها وأسعدها وأمتعها بالصحة- في حقيبة السفر قبل أن أغادر ، كتاب هارب من الاعتقال كتب على غلافه "ليالي القاهرة - ابراهيم ناجي" ، أشياء أخرى جميلة وغير جميلة. أما قناة الجزيرة، فلا تسأل عن قناة الجزيرة بعد أن أصبحت أثراً بعد عين، إلا من رسائل الأخبار العاجلة من الجزيرة موبايل إلى هاتفي الذي أصرّ أن يُبقي قناة الجزيرة في نغمة نشرة الأخبار كذكرى جميلة ولمعة وفاء. هاقد خرجت الآن يا أبي من حمى الامتحانات وأيامها السبع العجاف حيث شبعت موتاً وتعطلت بي جميع أعصاب الإحساس بالعالم الخارجي، عالم ماخارج باب شقتي الصغيرة، نزلت إلى الشارع المزدحم أهيم بلا هدى وأتخطى الناس وأنا أتأمل وجوههم وأتأمل دخان الشيشة المتصاعد من القهوات الشعبية المترامية على جانبي الطريق اختلطت به ضجة ازدحام السيارات وتدافع المارة بأصوات الأغاني المنبعثة من المحال بصوت عالٍ، رحت أسير وأنا أحاول أ

المزيد


المعطف!!

أكتوبر 7th, 2006 كتبها سالم السيف نشر في , قصص قصيرة

كانَ مضى على رحيلها عشرة أيام، وأربعة أشهر، وسنتان. تماماً كما تتلفظ بذلك الروزنامة. فقدَ خلالها من وزنه، وروحه، ما سلبه الكثير من وعيه وتركيزه في الحياة، يُخيّل إلى ناظره بعد النظر، طفلاً خديجًا، أتى عليه القصور، وتوقّفت مشاعره عن الشعور.

وبدا عاجزاً عن العودة إلى الخارج. مرةً أخرى. ومكافحة نظرات الناس، التي لا زالت تقرّض ظهرَه وجلدَه وإحساسَه فتُخلف فيه أوجاعًا وتجمرُ أحشاءه نيرانًا.

كانت هيفاء له، وكانت لهُ كلَّ شيء. كل إنسان، كل بيت، كل أسرة. هذا الأمر هوَ ما أحال صحّته إلى هبوط، وغيّر لونه وابتلى طالعه. لم يكن صغيرًا، كانَ قد شارف الخامسة والثلاثينَ ربيعًا، يشعر أنها قد ذوت وذبلتْ جميعها في صيفٍ واحدٍ جاءَ على خُضرتها فأحالها يبسًا وقشًّا وكِسراً من الأعواد الجاثمة على صدره، بعد أن تخطّى من عمره مرحلة الكمون، وبدأ طورَ الإعمار أو الإنفجار.

يا لزرقة السماء! كم تستفزّ بصيلات الشّعر في جسدِه، فتنتفض منتصبةً وتسري في خلدها قشعريرةً تكاد ترميه أرضًا. هل بقيَ في عينيه فضلُ ماء، يرى به تلك الزرقة الصقيلة، يلمسها، يوغل نظره في نسيجها، بعد فراقها؟ ألم تكن هيفاء الوحيدة التي تملك مفاتيح أقفالِ روحه وجسده وطموحاته، فتجعلَ في ساعة من ذلك تغيُّرًا فظيعًا؟ من غيرها، كان بإمكانه، إقداح جذوةً في صدره تصطلي بها أضلعه، من الغمّ والقلق والسهاد، في أي وقت؟ من غيرها، كانَ بإمكانه، سل دمعةٍ من تحت أجفانه الحديديّة، ورفع درجة حرارة كفّه الثلجيّة، حتى تذوب في أكفّ الأطفال؟ من غيرها، كانَ بإمكانه، اختراق ضاحية جسارته في الكلام فتلعثمه حتى يسقطَ مُعترفًا؟ كم للشوق في دماءه غليان القدور. ولذكرها في ذهنه انبعاث القبور.

خرجَ من صباحه أسيرَ رغبته في أن يبعث إليها برسالة. وينتظر. كانَ الانتظار سمةً لأيامه المتصرّمة. سمةً لشخصيّته الأخيرة. كانَ من يلقي عليه نظره، يبصر الإنتظار في عينيه وحركات يديه وفلتات لسانه. لم يكن يكرر نظره إلى ساعة يده، أو حائط غرفته، ولم يكن كثير السؤال أو حسن الإصغاء. ولكن شيئًا كالتوقان والتدلّه والوُلعة، يضيء خلال بصره، ويقصّف أسفل شفاهه، ويصهر حروفه ويجففها. فتبدو جُملُه قصيرةً، ركيكةَ القوام، متفاوتة الأصواتِ ارتفاعا وانخفاضا، ومشيته على كتفِ الطريق حزينة غير واثقة تفتقر إلى الإستقامه.

كانَ متجهًا إلى البريد، متأبطًا ظرفًا قد أوعاه رسالةً، جهِدَ كل الجهد أن تبدو أقصرَ ما يمكن، وخالية قدر الإمكان من أي نبضٍ أو قلقٍ أو ضراعة. قليلة الاهتمام وعليها سيما العجلة والسرعة وقلة الإكتراث. ما أجبنَ الرّجال!! هينم في نفسه بذلك، وهوَ يترجّل بخطواتٍ حثيثة إلى البريد.

كانت قائمة تطالع نهار المدينة خلال شرفتها، حين جاءت دقات الباب:

- عفواً، يا آنسة هيفاء.
.
- نعم، هل أستطيع خدمتك؟
.
- لديك رسالة.
.
- شكرًا!.

فضّت الظرف وقد سرت في أوصالها رعدةٌ يسيرة. "لابد أنها من حازم، إنني لا أخطئ هذا الرجل. لا أخطؤهُ أبدًا." قالت ذلك تاركةً خلفها ضحكةً منتشية ورجعت القهقرى لتتمدد على أريكة، ثم بسطت الورقة بيدٍ في خفّة، امتصّت نسماً عميقًا في خليطٍ من مشاعر لراحة والاستطلاع، وأخذت تقرأ .. "مساء الخير .. هيفاء .. البرد يقتلني، ومعطفي قد نسيته عندك!. حازم" لم تتمالك نفسها حتى سقطت على الأرض ضاحكة. وارتفعت ضحكاتها حتى تلاشت عن بصرها الرؤية فيما يشبه الإغماء. ق

المزيد





هناك زر يطلعك على الادراجات الجديدة في مدونتي
شكرا لزيارتك بانتظار عودتك مجدداًَ