في البدءِ كنتُ شِعراً ونثراً

الدخول إلى العصر

كتبهاسالم السيف ، في 10 أغسطس 2009 الساعة: 02:54 ص

حاجتنا إلى المدنيّة ليست أمراً واقعاً ومحسوساً بقدر ما هي قضاء حتمي، والحضارة المدنية ليست أمراً طارئاً لأنها منذ زمنٍ بعيد ترسل إلينا إشارات على أنها موجة كبرى قادمة ، ولا محالة في قدومها، ستغمر الجميع شئنا أم أبينا، نستطيع أن نقول ذلك كما نستطيع ايضا أن نقول أنه النمو الطبيعي للإنسان، فالإنسان مسيّر في نموّه وليس مخيراً، فالطفل يصبح رجلاً ولا يملك غير ذلك، كذلك الإنسان يصبح متحضراً ولا يملك غير ذلك، والشعب يتمدن ولا يملك غير ذلك، نواميس الحياة وقوانين الكون السائرة، ولكن هذا كله في يد، وفي اليد الأخرى نجد أن التاريخ والواقع الحاضر يقص علينا بعض القصص التي تحكي عن عدم وجود للسلاسة في مسار هذه التحولات وأن الإنسان ينزع إلى مقاومة التغير القادم بصفة مستمرة.. بشكل مضاد للطبيعة الإنسانية.
يقول لي صديق إن الشعر العربي القديم والحديث قد جاء فيه من وصف الخيل والابل والغزال والطير الشيء الكثير، كذلك الأمر بالنسبة للأسلحة وآلة الحرب كالسيوف والرماح والنبال، بل ولم ينقطع هذا النوع من الشعر حتى اليوم غير أن العالم الحديث انقطعت فيه معظم تلك الوسائل والأدوات في العصر القديم، وظهرت فيه السيارة والطائرة والدراجات والقطارات وظهرت الأسلحة المتطورة والتكنولوجيا الحديثة ودخلنا في عصر جديد فريد، ومختلف كماً ونوعاً عن جميع العصور السالفة، التي مضت على البشرية. إلا أنه من الملاحظ أن الشعر قد تأخر كثيراً في التفاعل مع هذه المعطيات، وسكت عنها، والشعر بوصفه مؤشراً ثقافياً عميق الدلالة، يدل على وجود عدم قبول وممانعة في الثقافة تقف ضد الانقلاب على الواقع الثقافي المستقر، حتى على المستوى الشعري، وإن كانت الحياة بمجمل وجوهها قد لبست حلة العصر الجديد وخلعت رداء العصر القديم. ولذلك فإن روح هذه الممانعة إذا قيست بمؤشرٍ ثقافي، الشعر أنوذجاً، تسعى إلى إفراز حرّاسها، لرفض موجة التغيير من ناحية، ومحاولة للتكيف مع الطارئ من أجل البقاء من ناحية أخرى. كذلك الأمر، فيما يمس الحياة العامة للإنسان كالنظام أو القانون والمؤسسات والمجتمع المدني، نجد أن ملامح القوانين العرفية القديمة التي كانت في عصور سالفة لا تزال و تبرز مجدداً من خلال تسيير النظام والحياة المدنية عامة ولكن بالعقلية القديمة.
وايضاً تراجع دور المثقفين وقادة الفكر وانزلاقهم في مزلق إعادة انتاج الثقافة القديمة، وترسيخها، بينما دور المثقف هو التأسيس لمشروع فكري بناء، يخدم الثقافة ويكيفها مع الحياة المدنية الحاضرة، ويمنع تصادم الثقافة والمدنية، لا أن يسعى بها، كما رأينا، من القطيعة بين العصر والثقافة.
ومن تجليات هذه الأسباب فإننا نخرج بتفسير لعدة ظواهر تبرز بين الحين والآخر في المجتمع، كفضائيات التراث والشعر الشعبي ومهرجانات مزاين الإبل والجنادرية، أشبه بظاهرة الهجرة العكسية وهي هجرة أهل المدن والحواضر للأرياف والقرى ( ولكن هذه المرة هجرة معنوية ).

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتابة على السطر | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

امنحني فرصة من النقد البناء
فأقدم الأجمل بمساعدتك



هناك زر يطلعك على الادراجات الجديدة في مدونتي
شكرا لزيارتك بانتظار عودتك مجدداًَ