فيضان كلمي
كتبهاسالم السيف ، في 8 أكتوبر 2006 الساعة: 21:26 م
قيل : " خيرُ الكلام ما قلّ ودل "
" والبليغ الموجز " .. .. وفي الحديث "فليقل خيراً أو ليصمت" ..
من السهل جدا أن تتكلّم ، وأن تكتبَ كلمة ، وكذلك تقرأ وتسمع أخرى ..!
.
.
وهناك الكثير جداً مما يُقرأ (ومن يقرأ!)، والكثير جداً مما يُسمع (ومن يسمع!) ، هناك كم هائل من الكلام الفائض ، فهذا هو زمن حصار الكلمات ، تتدافع الشاشات تلو الشاشات من التلفاز إلى الكمبيوتر ، ويزدحم صخب الصحف والمجلات من الصباح الباكر، وفي المساء والأمسيات والحفلات ، والأغاني التي تصيب الفكر "بالامساك !" تطوّقك حيثما كنت ، وتنسلّ إليك من كل حدبٍ وصوب شئتَ أم أبيتْ ! ، دفعت حيالها مالاً أو دفعتَ دونها أموالاً…!
في البيت وفي العمل أوراق وفي الشارع إعلانات ولائحات تحذير ، وفي الجامعة والمدارس وفي كل مكان هناك فائض من الكلام الذي لا يتوقف سيله ، أي سيل ؟ بل ويله !!
.
.
هذا زمن حصار الكلام لنا ، الكلام الذي لا نلاحقه بقدر ما أصبح يلاحقنا ويرهقنا ويحرقنا ، ويلغي من حياتنا اليومية كل لحظة سكون نلتمسُها ، وكل هدأة ليل نسألها . . !
هذا زمن الغزو الكلامي بمفردات "تجلد" اكثر بكثير مما تُسعد ، كلام صرنا نجده يغشانا بوابله في جميع الأصعدة ، والأمكنة والأزمنة . . .حتى في الرؤى والأحلام !
والكلام الفائض لا يدعك بحاجة لأن تبذل أي جهد في البحث عنه ، فهو يتكفل بالبحث عنك والعثور عليك أينما كنت وكيفما كنت ، ومن ثمّ سكب الكلام على أسماعك وافراغه في عينيك ، فلا تزداد إلا شحناً ، ولا من تضلّعك به إلا ظمأً . . !
انه يمتلك الكثير من الوسائل الكفيلة بتخريب علاقتك مع أي لحظة هدوء و اغتيال فُرصة صمت ، وشطب أي موعد مع راحة البال . . !
حصار الكلمات ، والمفردات ، والمصطلحات ، والألفاظ حيث صار من اللاجدوى ان يحاول الإنسان تقنين ما يريده من كلمات او تحديد ما يريد ان يسمعه ، فمن العبث إتخاذك لأي إجراء حيال "واحد أسمعك اغنية غصب عنك" عند الإشارة ، مثلا ، وإن كُنتَ لا ترى سماعها ،أو لا ترى فيها ما يستحق إكمالها !!
.
.
ومع هذا ، ومع تزايد هذهِ الأطنان من الأحمال الكلامية ، والأوزان المفرداتية ، الضاربة بقسوة على أصول الإطلاع لدى الإنسان ، الأعين والأسماع ، لا زلنا نشكو .. من شحّ الكلمة الطيّبة !!
ونعاني من تكدّس طبقات الساقط من الكلام ، ورذائل المعاني ، وحُثالة الشارع اللغوي ونقاسي صداع تتفجر منه الرؤوس والألباب ، و تبقى نفايات المفردات ، والحاله هذه ، في تضخّم ونمو ….!!
وكذلك لا زلنا نُصاب يوما بعد يوم ، بأمراض العيّ والحصر وحُبسة الكلام ، وداء التلعثم والتأتأة والفأفأة . . وما أدراك من أشكال الإعاقة الكلامية ، والشلل في المنطق …!
وقد لا "ينفع" النوم على أُذن صماء ، ولا التملّص من التفاقم في ترهات الحشو الكلامي النشاز ، والثائر من الأعصاب المترهّلة لا يحتاج للكثير منه ، ليتردّى إلى التلف….!
ويبقى في هذا الخضم الجارف من الكلمات ، تظل الكلمات التي لا تشبه سواها، مستثناه ، وبعيده عن المخلوقات الكلامية الهلامية المهلهلة المهلكة . . !
.
.
هنا تبقى منبع اللذّة ، وخامة المُتعة . . . تبقى إلى الأبد شعاراً للخلود ، وسلاح الحدود ..!
اعني يظل ديوان العرب مفتوحاً لكل المتعبين .. يظل الشعر ..
تقول الشاعرة الإيطالية ليزا مورانتي (الشعر احد ينابيع الحياة ، فهو سلوان جديد يدافع عن الروح الإنسانية ضد هجوم قوى المادة الغازية ) صح قلبك ياليزا !!
.
.
وبما أن الشعر حاله "استثنائية" إذا يجب ألا يتعامل معه إلا "الاستثنائيون"
الشعر طفل ذو حساسية مفرطة .. ونفسيه قلقه ..!
انه ليس بحاجة لمن يجيد القراءة والكتابة فقط .. بل الى معاملته برقه متناهية لا تخدش زجاجته الشفافة..وتحريكه برفق في قالب الخيال الممزوج بالعاطفة المتأججة ..!
فكائن له قلب عصفور .. وجموح حصان .. "وغموض بحر".."و رقّة ورده".."وشهد نحله"..لن يقبل بمخاطبته بالمطرقة والأزميل !!
هو الذي يتدفق من قلبك .. ولا تتحكم فيه ، والذي يملأ يدك .. ولا تلمسه ، والذي يملأ كلماتك "الفارغة" ..
والذي يشعل "النار" في جانب .. ويقيم "الجليد" في الجانب الآخر . . !
ولا تجد ، أي اذن ، أي مانع ورادع ، من انسياب لطيف العبارة ، وتألق طيف المعنى ، في قوالب المبنى اللغوي ، إليها .. !
حتى وُلد فيروس وورم خبيث ، يخترق الذائقة الجمالية ، ويفسد الذوق العام ، من ادعاء الأثرياء وبُغاة المناصب والشهرة ، والاستيلاء على مقاعد الشعر والشعور ، على أكتاف المساكين من أهل الشعر والشعور . . !
- هل اصبح الشعر هواية من لا هواية له ؟
- كل من هب ودب يريد أن يصبح شاعر "ولو بالمال"
- هل اصبح الشعر موضة هذه الأيام ؟
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتابة على السطر | السمات:كتابة على السطر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 15th, 2006 at 15 أكتوبر 2006 6:48 م
ناجي..
تحياتي لحرفك وفكرك الحر الراقي…
تقبل تحياتي…
كن بخير ورمضان مبارك
ديسمبر 4th, 2006 at 4 ديسمبر 2006 3:27 ص
نعم هو موضه هذه الايام لمن لا هواية له..
تحياتي لك
تاضي